عثمان بن جني ( ابن جني )

382

سر صناعة الإعراب

وإذا كان ما ينطق به في كثير من الكلام قد تصيّره إلى أن يجري مجرى ما قد سقط حكمه وصار غير معتد به ، فما لا يظهر على وجه من الوجوه أولى بأن يلغى ولا يعتدّ به ، وذلك قولك : زيد خلفك ، فأصل هذا : زيد مستقرّ خلفك ، فحذف اسم الفاعل للعلم به ، وأقيم الظرف مقامه ، وانتقل الضمير الذي كان في اسم الفاعل إلى الظرف ، وصار موضع الظرف رفعا لأنه خبر المبتدأ ، وألغي « مستقرّ » حتى صار لا حكم له ولا اعتداد به ، وأنت مع هذا لو شئت لأظهرته ، فقلت : زيد مستقرّ خلفك . ويدلك على أن حكم « مستقر » ونحوه في نحو هذا قد سقط عندهم ، وصارت معاملة اللفظ الآن إنما هي للظرف ، امتناعهم من تقديم الحال على الظرف في نحو قولهم : زيد خلفك واقفا ، فلو قلت : زيد واقفا خلفك لم يجز ، فلولا أن نصب الحال الآن إنما وجب بالظرف لا باسم الفاعل المحذوف لكان يجوز تقديم الحال على الظرف بغير اسم الفاعل ، كما كان يجوز تقديمها عليه مع اسم الفاعل في قولك : زيد واقفا في الدار مستقرّ ، ف « واقفا » الآن منصوب بمستقرّ لا بالظرف ، ولذلك جاز تقديمه على الظرف ، فكذلك إذا قلت : زيد خلفك واقفا ، نصبت الحال بالظرف لا باسم الفاعل . فإذا كان حكم اسم الفاعل قد يبطل إذا أقمت الظرف مقامه مع أنه قد يجوز لك أن تلفظ معه باسم الفاعل وتجمع بينهما ، فأن يكون ما لا ينطق به البتة غير مراد ولا معتدّ به - وهو واحد « شعاليل » و « عباديد » - أجدر . فهذا ما احتمله القول ، واقتضاه النظر في قولنا « شيراز » و « شواريز » و « شراريز » . فأما قولهم « تسرّيت » فيكون أيضا من باب إبدال الياء من الراء ، وأصلها على هذا « تسرّرت » لأنها من « السّرّيّة » و « السّرّيّة » : « فعليّة » من السّرّ ، وذلك أن صاحبها أبدا ما يخفيها ويسرّ أمرها عن حرمته وصاحبة منزله . ومن كانت « سرّيّة » عنده « فعّيلة » مثل « مرّيقة » و « علّيّة » فاشتقاقها عنده من سراة الشيء ، وهو أعلاه وأوله . ودفع أبو الحسن هذا القول ، وقال : إن الموضع الذي تؤتى منه المرأة ليس أعلاها ولا سراتها . . والقول كما قال . والذي ذهب إليه أبو الحسن فيها هو أنها « فعليّة » من السّرور لأن صاحبها يسرّ بها . ولو قال قائل : إنها « فعّيلة » من سريت ، أي : سرت ليلا ، لأن في ذلك ضربا من الإخفاء والسّتر ، لكان قولا ، ولكن حملها على أنها « فعليّة » أوجه لأمرين :